قصة: ‏قرار صائب | بشرى سليمان

‏بينما كان يرتب مكان معيشته الذي جاء متنازلاً عن الكثير من أجله إذ سمع نداءات جدته قادمة من الأسفل، نزل إليها حاملاً جهاز الحاسوب(اللابتوب)؛ موحياً إليها أن ورآءه عملاً وشغلاً.

‏-يا بني، خذ هذا اللحاف، لا أريد أن يصيبك البرد وأنا نائمة،

‏هذا كوب حليب ساخن اشربه؛ ليدفأ جسمك،

‏هذه هي الثلاجة افتحها متى ما شعرت بالجوع، مهلاً لقد تذكرت: متى ستخرج غداً؟

‏-في الساعة السابعة.

‏-سأعد لك…

‏-قاطعها قائلاً: جدتي ارتاحي الآن.. كل شيء يقلقك فإني لا أحتاجه، لقد جئت إليك لأجد أنسي لا لأرهقك بالتفكير بي،لا عليك سأتولى كل شأني.

‏-تغيرت ملامحها عندما انتبهت إلى جهازي: أوه، سأصعد الآن، يبدو أنني أضعت وقتك يابني، للتو رأيته.. وبكلمات مخنوقة قالت: إلى اللقاء.

‏صعدت قبل أن أبرر لها موقفها، تبدو عينا جدتي كطفلة تجذبك ملامحها فلا تملك إلا أن ترحمها، لعلها آثار الوحدة، ماذا تفعل الوحدة بالإنسان؟ إنها مخيفة بالوقت الذي تكون فيه مطمئنة، تجعل أحاديث صاحبها كأنها سلسلة أفكار غير مكتملة، تجعل ما يخفيه ظاهراً في ملامحه كوضوح الشمس لقد جعلته يطمئن عليها عندما لا يشاركها أحد إلا نفسه!

‏يرعبني في هذه الوحدة أن أتحدث بأفكار مبتورة ما إن تطرأ فكرة إلا تدفعها أختها، أخاف أن أقرر بسرعة البرق القرارات التي لا نتائج لها بل حتى إنه لن يقبل بها أحد غيري.

‏لهذا فقط جئت إلى جدتي وإلا فحياتي تبدو أكثر إثارة وشغفاً، إنها تسامر الوحدة التي أخاف على كل إنسان منها!

‏لقد عاشت حياتها مع أناس كثيرين كثيرين، ومع كثرتهم إلا إنهم رقدوا في قبورهم الآن مما جعل جدتي تألف وحدتها على هذه الأرض وكأنها تستعد للوحدة الحقيقية.

‏استيقظت اليوم على صوتها اللطيف وهي تنادي به، تفقدتْ وجهي عند رؤيتي، هل نمت جيداً؟

‏عدد الأصناف التي طهتها لي في الفطور جعلت السفرة تشبه الغداء، لم تستطع أن تخبأ فرحتها التي كما قلت إنها تظهر جلية عليها، عندما أردت الخروج صحبتني حتى أمسكت قبضة الباب، كانت تعيد بهذا ذكرياتها مع أبنائها الذين تفرقوا في مشارق الأرض ومغاربها، لم تكن تتذكرهم فقط بل كانت تجدد ذكرياتها مع شبابها أكثر، وتجتهد لأن تتحمل وتبدو بقوتها على تلك الأيام.

‏وفي أول جلسة جلست فيها مع جدتي، أوحيت بتصرفاتي أنني أفتح قلبي لها فبدأت أمازحها وأفخر بها، تقبلت ذلك سريعاً حتى دمعت عيناي من ضحكتها، تلك التي أرعبتني حقاً لما صَعُب عليها أن تضحك فلما ضحكت قالت: يا بني إنني لم أسمعها مني منذ أشهر!

‏كلما خرجت إلى المستشفى حاولت ممازحة الجميع فيظنوا أنني أعطي مما عندي، إنهم جهلوا أنني أعطيهم ما أفقده بل حتى هذا الطبيب إنه يعالج شكواي أما روحي لم يدرِ ما علتها، إنه يتقبل مزاحي ويمضي مثلهم!

‏حتى أخوالك يحادثونني فتكون الأحاديث كلها من طرفي لأطمئن عليهم، فأنسى نفسي.

‏لما حان وقت العشاء في ذلك اليوم تظاهرت بأني أجيد طهي الحساء الذي تشتهيه؛ لأشاركها اهتمامها، فدخلت المطبخ من غير إدراك للجهة التي أوليها، بدأت بغسل الخضار.. سلقها.. طحنها، أعدتها للوعاء وأضفت عليها ملحاً، صارت جاهزة، خرجت مسرعاً إلى المخبز القريب منها وأحضرت خبزاً، وضعته على طاولة الطعام، أحضرت الحساء وناديتها، كانت تحادث أحد أخوالي الذي تفاجئ بوجود أحد ترد عليه ويرد عليها.. غير صوتها المعتاد!

‏حينما رأت الطاولة ضحكت للمرة الثانية.. لقد شاهدتُ فرح الدنيا كله في عينيها في تلك اللحظة، استطعمت أكلها وكأن أجود الطهاة قد أعده لها.

‏هذا هو اليوم الرابع عشر والأخير الذي قضيته عندها.. سيبدأ دوامي غداً، وستبدأ إجازة خالي كذلك الذي قرر أن يقضيها عند جدتي تماماً مثلما فعلت، قبل مجيئي إليها كان قراري مجرداً من كل مصالحي هذه المرة ولم أكن واثقاً من صحته إلا بعد أن قدمت إليها، كانت جدتي واليوم بعد رؤيتي لسرورها بي هي مفتاح فرحي في الحياة.

*بشرى سليمان

@93bushra

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s